العيني

69

عمدة القاري

بالآية المذكورة نظر لا يخفى . واعلم أن الناس اختلفوا في زيارة القبور ، فقال الحازمي : أهل العلم قاطبة على الإذن في ذلك للرجال . وقال ابن عبد البر : الإباحة في زيارة القبور إباحة عموم ، كما كان النهي عن زيارتها نهي عموم ، ثم ورد النسخ في الإباحة على العموم ، فجائز للرجال والنساء زيارة القبور ، وروى في الإباحة أحاديث كثيرة . منها : حديث بريدة أخرجه مسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها . . ) الحديث ، ورواه الترمذي أيضا ولفظه : ( قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر بالآخرة ) . ومنها : حديث ابن مسعود أخرجه ابن ماجة عنه : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروا القبور ، فإنها تذكر في الدنيا وتذكر الآخرة ) . ومنها : حديث أنس أخرجه ابن أبي شيبة عنه ، قال : ( نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن زيارة القبور ، ثم قال : زوروها ولا تقولوا هجرا ) يعني سوأً . ومنها : حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود عنه ، قال : ( زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ، فقال : استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزورها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت ) . ورواه أيضا مختصرا . ومنها : حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، أخرجه ابن ماجة عنها : ( أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، رخص في زيارة القبور ) . ومنها : حديث حيان الأنصاري أخرجه الطبراني في ( الكبير ) قال : ( خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر . . ) الحديث ، وفيه : ( وأحل لهم ثلاثة أشياء كان ينهاهم عنها : أحل لهم لحوم الأضاحي وزيارة القبور والأوعية ) . ومنها : حديث أبي ذر ، أخرجه الحاكم عنه قال : ( قال لي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : زر القبور تذكر بها الآخرة ) . ومنها : حديث علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، أخرجه أحمد عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ( إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة ) . ومنها : حديث ابن عباس ، أخرجه أحمد عنه : ( مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور فأقبل عليهم بوجهه فقال : السلام عليكم ) . ومنها : حديث مجمع بن جارية ، أخرجه ابن أبي الدنيا : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى المقبرة ، فقال : السلام على أهل القبور . . ) الحديث ، وفيه : إسماعيل بن عياش . وعن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، ( أنه أتى المقبرة فسلم عليهم ، وقال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عليهم ) وعند ابن عبد البر ، بسند صحيح : ( ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلاَّ عرفه ورد عليه السلام ) . ولما أخرج الترمذي حديث بريدة ، قال : والعمل على هذا عند أهل العلم : لا يرون بزيارة القبور بأسا . وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق . ولما روى حديث أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لعن الله زوارات القبور ) ، قال : هذا حديث حسن صحيح ، ثم قال : وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور ، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء ، وقال بعضهم : إنما تكره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن . وروى أبو داود عن ابن عباس ، قال : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ) ، واحتج بهذا الحديث قوم ، فقالوا : إنما اقتضت الإباحة في زيارة القبور للرجال دون النساء ، وقال ابن عبد البر : يمكن أن يكون هذا قبل الإباحة . قال : وتوقي ذلك للنساء المتجملات أحب إلي ، وإما الشواب فلا يؤمن من الفتنة عليهن وبهن حيث خرجن ، ولا شيء للمرأة أحسن من لزوم قعر بيتها . ولقد كره أكثر العلماء خروجهن إلى الصلوات فكيف إلى المقابر ؟ وما أظن سقوط فرض الجمعة عليهن إلاَّ دليلاً على إمساكهن عن الخروج فيما عداها . قال : واحتج من أباح زيارة القبور للنساء ، بحديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، رواه في ( التمهيد ) من رواية بسطام بن مسلم عن أبي التياح ( عن عبد الله بن أبي مليكة : أن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، أقبلت ذات يوم من المقابر ، فقلت لها : يا أم المؤمنين ، من أين أقبلت ؟ قالت : من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر ، رضي الله تعالى عنه ، فقلت لها : أليس كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ينهى عن زيارة القبور ؟ قالت : نعم ، كان ينهى عن زيارتها ثم أمر بزيارتها ) ، وفرق قوم بين قواعد النساء وبين شبابهن ، وبين أن ينفردن بالزيارة أو يخالطن الرجال ، فقال القرطبي : أما الشواب فحرام عليهن الخروج ، وأما القواعد فمباح لهن ذلك ، قال : وجائز ذلك لجميعهن إذا انفردن بالخروج عن الرجال . قال : ولا يختلف في هذا إن شاء الله تعالى . وقال القرطبي أيضا : حمل بعضهم حديث الترمذي في المنع على من يكثر